وهبة الزحيلي

64

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الأخرى ، فليتعوذ من الشيطان » ثم قرأ : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا « 1 » . واللّه تعالى في مقابلة إغراءات الشيطان ووساوسه وأمره بالفحشاء ( البخل ) يعدكم على لسان نبيكم مغفرة بسبب الإنفاق لذنوبكم ، وتعويضا وإخلافا في الدنيا لما أنفقتموه ، والفضل : المال والخير ، واللّه واسع الرحمة والفضل ، فيحقق ما وعدكم به ، وهو عليم بما تنفقون ، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء ، كما قال تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سبأ 34 / 39 ] وروى البخاري ومسلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان ، يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا » أي أن الأول يعوضه اللّه بتسهيل أسباب الرزق له ، والآخر يذهب ماله . واللّه تعالى يؤتي الحكمة من يشاء من عباده ، وليست الحكمة على الصحيح النبوة ، ولكنها كما قال الجمهور : العلم والفقه والقرآن ، فهي لا تختص بالنبوة ، بل هي أعم منها ، وأعلاها النبوة ، والرسالة أخص ، وذلك يرشد إلى تمييز الحقائق من الأوهام ، والتفرقة بين الوسواس والإلهام . وآلة الحكمة : العقل ، فمن عرف ما في القرآن من أحكام وأسرار ، وأدرك بسلامة عقله ما في الإنفاق من فوائد تعود على الأمة بالخير وعلى المنفق بالثواب الجزيل ، لم يتأثر بوساوس الشيطان ، ولم يتردد في البذل والإنفاق في سبيل اللّه . عن ابن مسعود قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا ، فسلّطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه اللّه الحكمة ، فهو يقضي بها ويعلمها » « 2 » . ومن يوفقه اللّه للعلم النافع ، وعلى التخصيص فهم القرآن والدين ، ويرشده

--> ( 1 ) وهكذا رواه الترمذي وقال : حسن غريب ، والنسائي ، وابن حبان في صحيحة . ( 2 ) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة .